ابن الأثير

491

أسد الغابة ( دار الفكر )

ولما قتل دفن ليلا ، وصلى عليه جبير بن مطعم - وقيل : حكيم بن حزام - وقيل : المسوّر ابن مخرمة - وقيل : لم يصل عليه أحد ، منعوا من ذلك . ودفن في حشّ كوكب [ ( 1 ) ] بالبقيع ، وكان عثمان قد اشتراه وزاده في البقيع . وحضره عبد اللَّه بن الزبير ، وامرأتاه : أم البنين بنت عيينة ابن حصن الفزاريّة ، ونائلة بنت الفرافصة الكلبية ، فلما دلّوه في القبر صاحت ابنته عائشة ، فقال لها ابن الزبير : اسكتي وإلا قتلتك . فلما دفنوه قال لها : صيحى الآن ما بدا لك أن تصيحي . أخبرنا أبو ياسر بن أبي حبة بإسناده إلى عبد اللَّه بن أحمد : حدثني عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن مغيرة [ ( 2 ) ] ، عن أم موسى قالت : « كان عثمان من أجمل الناس » . وقيل : كان ربعة لا بالقصير ولا بالطويل ، حسن الوجه رقيق البشرة ، كبير اللحية ، أسمر اللون ، كثير الشّعر ، ضخم الكراديس [ ( 3 ) ] ، بعيد ما بين المنكبين . كان يصفّر لحيته ويشدّ أسنانه بالذهب ، وكان عمره اثنتين وثمانين سنة ، وقيل : ست وثمانون سنة ، قاله قتادة . وقيل : كان عمره تسعين سنة . ورثاه كثير من الشعراء ، قال حسان بن ثابت : من سرّه الموت صرفا لا مزاج له * فليأت مأدبة [ ( 4 ) ] في دار عثمانا ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به [ ( 5 ) ] * يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا صبرا [ ( 6 ) ] ، فدى لكم أمّى وما ولدت * قد ينفع الصّبر في المكروه أحيانا لتسمعنّ وشيكا في ديارهم : * اللَّه أكبر يا ثارات عثمانا [ ( 7 ) ] وزاد فيها بعض أهل الشام أبياتا لا حاجة إلى ذكرها ، ومنها :

--> [ ( 1 ) ] حش كوكب - بفتح أوله وتشديد ثانيه ، ويضم أوله أيضا ، وكوكب اسم رجل من الأنصار ، وهو عند بقيع الغرقد . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : « حدثنا جرير ، عن جرير » . والمثبت عن مسند الإمام أحمد . وينظر التهذيب ترجمة جرير بن عبد الحميد ، 2 / 75 ، وترجمة المغيرة بن مقيم : 10 / 269 . [ ( 3 ) ] الكراديس : جمع كردوسة ، وهي كل عظمين التقيا في مفصل . [ ( 4 ) ] في ديوانه : فليأت مأسدة . شبه دار عثمان لما دار فيها من قتال بالمأسدة موضع الأسود . [ ( 5 ) ] ضحوا بأشمط ، أي : أبيض . يعنى : ذبحوا رجلا أشيب كما تذبح الضحية . عنوان السجود به : أي في وجهه علامة الصلاة . وقرآنا : قراءة . [ ( 6 ) ] في الديوان : « ويها » . [ ( 7 ) ] يهددهم بأنه عما قريب ، سيحضر من ينتقم منهم .